ابن رشد

94

تهافت التهافت

فيستحيل أن يبقى جسم ليس بمتحرك ولا ساكن فينعدم . وكأن فرقتي الأشعرية مالوا إلى أن الإعدام ليس بفعل إنما هو كف عن الفعل لما لم يعقلوا كون العدم فعلا . قالت الفلاسفة : وإذا بطلت هذه الطرق لم يبق وجه للقول بجواز إعدام العالم . هذا لو قيل بأن العالم حادث فإنهم مع تسليمهم حدوث النفس الإنسانية يدّعون استحالة انعدامها بطرق تقرب مما ذكرنا . وبالجملة فعندهم أن كل قائم بنفسه لا في محل لا يتصوّر انعدامه بعد وجوده سواء كان قديما أو حادثا وإذا قيل لهم فإذا أغلى النار تحت الماء انعدم الماء قالوا لم ينعدم ولكن انقلب بخارا ثم ماء فالمادة الأولى وهي الهيولي باقية في الهواء وهي المادة التي كانت لصورة الماء وإنما خلعت الهيولي صورة المائية ولبست صورة الهوائية وإذا أصاب الهواء برد كثف وانقلب ماء لا أن مادة تجددت بل المادة مشتركة بين العناصر وإنما يتبدل عليها صورها . قلت : أما من يقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين ، وأن وجودها في الجواهر هو شرط في بقاء الجواهر ، فهو لا يفهم ما في قوله من التناقض ، وذلك أنه إن كانت الجواهر شرطا في وجودها إذ كان لا يمكن أن توجد الأعراض دون جواهر تقوم بها ، فوضع الأعراض شرطا في وجود الجواهر يوجب أن تكون الجواهر شرط في وجود أنفسها ، ومحا أن يكون الشيء شرطا في وجود نفسه . وأيضا فكيف تكون شرطا وهي لا تبقى زمانين وذلك أن الآن الذي يكون نهاية لعدم الموجود منها ومبدأ لوجود الجزء الموجو منها قد كان يجب أن يفسد في ذلك الآن الجوهر ، فإن ذلك الآن ليس فيه شيء من الجزء المعدوم ولا شيء من الجزء الموجود وذلك أنه لو كان فيه جزء من الشيء المعدوم لما كان نهاية له ، وكذلك لو كان فيه جزء من الشيء الموجود . وبالجملة أن يجعل ما لا يبقى زمانين شرطا في بقاء وجود ما يبقى زمانين بعيد ، فإن الذي يبقى زمانين أحرى بالبقاء من الذي لا يبقى زمانين ، لأن الذي لا يبقى زمانين وجوده في الآن ، وهو السيال والذي يبقى زمانين وجوده ثابت وكيف يكون السيال شرطا في وجود الثابت ؟ أو كيف يكون ما هو باق بالنوع شرطا في بقاء ما هو باق بالشخص ؟ هذا كله هذيان . وينبغي أن يعلم أن من ليس يضع هيولي للشيء الكائن يلزمه أن يكون الموجود بسيطا فلا يمكن فيه عدم لأن البسيط لا يتغير ولا ينقلب جوهره إلى جوهر آخر ، ولذلك يقول أبقراط : لو كان الإنسان من شيء واحد لما كان يألم بدنه ، أي لما كان يفسد ويتغير ، وكذلك كان يلزم أن لا يتكون بل كان يكون موجودا لم يزل ولا يزال .